
وصفات الحقِّ توالت
على قلبي دون انقطاعٍ
حتى كنتُ لِسَريَانِ الألوهية
بالوُجودِ وَسِرِّهِ شَاهِدًة
أَذوبُ في حُسنِ جَلالِ جَمَالِهِ
وبِالتَّجَلِيَاتِ الرَّبَانِيّةِ مُتَقَلِّبَة
فَسَألتُ اللَّه حُبِّي مقَامًا
أكون بينهُ وبَينَ العالمين برازِخًا
مقدمة :
الحمد لله على ما أَلهم , وعلَّم الإنسان ما لم يَعلم , فَعلَّمنا ما لم نكن نعلم, وكان فَضل الله علينا عظيمًا .
الحَمْدُ لله العَظِيمِ جَلاله بِظُهورِ جَمَاله , الرَّقِيب فِي سموِّهِ , ذي العزَّةِ والسَّناء والعظَمة و الكبرياء والسُلطان , الذي جَلَّت ذَاته أن تُشْبِهَ الذّوَات, فَسبْحَانَهُ تعَالى عَزِيز في كِبْرِيَائِهِ , عظِيم فِي بَهَائِهِ : " فليسَ كَمِثْلِهِ شيء وَهْوَ السَّمِيعُ البصير "[1]
وَ الصَلاة والسَّلام على النَّبي الأكرم محمّد بن عبد الله , المُعطى جوامِعَ الكَلِم فِي المَوْقِفِ الأعظَم , وَ سلِّم تَسلِيمًا كثيرا ….
سُعِفْتُ بِتَركِ دنيايا , و اعتمدتُ بِقَلبي على الله , الذي لا إله إلا هُو دونَ اضطراب , عندما فُقِدَتْ الأسبابُ [2]أمامي , فَأوْكَلتُ أمري إلى مولاي وحبيبي , واللهُ تعالى يَقول " إن الله يُحِبُّ المُتَوكلِين " [3] , ووثِقْتُ بِما عِنْد ربي , فما عند الله خير وأبقى , وتجرَّدت ُ عن إرَادَتِي , وأحببت أن أعرف الحق وأن أَصِل الى الحضرة الإلهية, فوجبَ تحرير الإرادة من نفِسي فكانت التربية …, فَأفْنَانِي حَبِيبي وجْدًا [4], وأَقعَدني في المجاهَدَة فأحببته بنوره وجدا , فانعكست المحبة في جوارحي بصورٍ منها: الصمتْ والخلوة , والعزلة الشعورية , وفقدتُ الشهية للمأكل , فعزفت نفسي عن الطعام ,كما حُبِّبَ إليّ السهَر فَطار من عينيَّ النوم……
قد تكون هَذه الأمور مترابطة روحيّا وبيولوجيَّا وفسيولوجيّا….. فالإنسان نقطة تقاطع وامتزاج للمستويات كافة , روح وجسد ونفس وطاقة ….فالإنسان كَون …فبالإنسان تتجلى الصفات الخلقية البيولوجية و الوراثية والفسيولوجية ….وبالإنسان تتجلى الصفات الإلهية [5] …
والله ألهمني الصمت بدايةً, فأخرَسني ربي , أخرس لساني [6], فلم أعد أجد الرغبة في التكلم في أي موضوع ,مع أي كان , كائنًا ما كان , فَكنت أتكلّم مضطرة وَلكن كنت في الباطن مشغولة في المواجد , أدعو ربي واسأله وأحاوره ….حتى انتهى الأمر بأن أخرس لي قلبي فيما بعد …
وفي هذه الفترة اعتزلت الناس بشعوري , وكنت أتعامل معهم بالظاهر دون أي تفاعل فعلي شاردة الذهن …فالمشغول لا يُشغل ….والعاشق مشغول دائمًا بذكر حبيبه ….فلا يأنس لأحد غيره …. ولا يناجي أحدا سواه…..كما لا يطيب له المأكل ولا النوم , لأنه دائم التفكير في محبوبه…..
وكنت أخطّ خواطري حول هذه التجربة, وهي تجربة الخلوة مع ما يصاحبها من أحوال, فوجدت نفسي مضطرة لإضافة بعض الشروحات..كما فتح ربي عليَّ فهمَا جميلا ورزقًا حسنا, وَ وهبني من نور علومه…وكنت أحاول أن أضع مقدمة تتناول مفهوم الإنسان وكينونته, حتى يكون فهم معنى الصوم كاملا….فأغرقني ربي ردحا في الكون …….
ولا بد من الإشارة الى أمر : انه لفهم أي نوع من أنواع الطاعات, أو العبادات, أو القربات , أو غير ذلك …لا بد من تقديم رؤية شمولية….وليست جزئية … فالإنسان بمفهومه الواسع الشامل … كون ينتمي لمنظومة كونية ….يتأثر بكلّ العوامل الداخلية والخارجية والبيئية والكونية ……….
وَ أثناء ذَلك أوقفني الله على أمور لم يسبق وأن أوقفني ربّي عليها , وأدخلني ربي عبر الروح الى الجسد , وتجليات القدرة الإلهية فيه, وأوقفني على النفس ومكنوناتها, كونها محل التطهير والتغيير , وسبحت روحي في الكون بشموليته وأسراره ومجرّاته وعوالمه , كانت روحي تُطلّ على العالم وعوالمه أراه من بعيد , و أرى نفسي فيه و أشاهد تَدافع الناس فيه ….
فكنت أمام سلسلة من العلاقات المترابطة والمتشعبّة التي يصعب وصفها, سلسلة مترابطة من الفهم, تُرى من خلالها منظومة كونية ربانية, فيها من العلاقات والتفاعلات اللامتناهية فيفهم المرء : علاقة الروح بالجسد, وعلاقة الروح بالكون , وعلاقة الكون بالروح , وعلاقة الروح بالنفس , وعلاقة النفس بالمخلوقات , وعلاقة الكائنات ببعضها, أي كل ما انبثق عن حضرة " كن " [7], وعلاقة الإنسان مع المحيط المجتمعي والبيئي….ومحيط كل طاقة من طاقات الكائنات, وتفاعل هذه الطاقات وتدافعها وانجذابها وتنافرها …. وعلاقة كل هؤلاء – أي كل ما انبثق من الخلائق مما علمناه وما لم نعلمه - بالله , وعلاقة الله بكل واحدة من هذه العلاقات ………وجملة متسلسلة ومتشعبة من العلاقات الانطولوجية [8]والانتروبولوجية[9] والبيئية الى ما لا نهاية….
وحيال ذلك فإنّ الاستطرادات كانت طويلة و هو أمر لا إرادة لي فيه … وقد يرى البعض فيه خروجًا عن الموضوع الأصلي , وهو الحديث في جزئية معَيّنة ….و لكن ما خُط …لا تنطبق عليه المعايير المكتسبة …. فأسأل الله ربي الوهب…. إنه هو الوهَّاب …والعبد يقف أمام ما يحصل معه فانيا ….
حيث يَسجد بين يدي ربِّه يفنى في حقيقة العبودية , أبكم عاجز عن التعبير عن عمق الإدراك, بحالة فناء وعبودية بمراتب متنوعة , وبرازخ
المزيد